مكلمخانة
اضطراب الحياة في المواسم والإجازات
يأخذ البعض علي الحكومة «كرمها» المبالغ فيه عندما لا تفوت فرصة لمنح العاملين بها وكذا بعض الجهات العامة إجازة مدفوعة الأجر!، ويتبع ذلك الإشارة إلي أن الجهات يجوز لها اعتبار يوم الإجازة الرسمية يوم عمل إذا اقتضت أعمالها ذلك، علي أن يضاعف الأجر عن العمل في هذا اليوم، فإذا كان من المآخذ علي الحكومة انها قد أكثرت من أيام الإجازات!، حتي انها قد زادت زيادة ملحوظة تؤدي إلي انكماش وتقلص أيام العمل!، ولو أحصي البعض أيام الإجازات الفعلية لوجدها تكاد أن تتساوي مع أيام العمل الفعلي!، ولكن بلادنا أصبحت تعرف حالياً نوعاً من الاضطراب الملحوظ في شئون الحياة اليومية التي لا يمكن خلالها الاستغناء عن بعض العاملين خاصة من حالات الطوارئ!، وقد أصبح ارتباك الناس في أيام المواسم والإجازات واضحاً وبجلاء عندما يعجزون عن تدبير الكثير من شئون حياتهم إذا ما صادفتهم ظروف تقتضي البحث عن واحد من المهنيين والحرفيين!، فهؤلاء قد أصبحوا لا يكتفون بالإجازة الرسمية!، بل تتجدد الإجازة عندهم بحيث تتحول أيام العيد الثلاثة- مثلاً- إلي عشرة أيام كاملة لا يفكر فيها أي واحد من هؤلاء في أمر «الغلابة» المحتاجين إلي واحد منهم!، وعندما يصادفك في أيام الإجازات أحد أصحاب المحال الحرفية يفاجئك بأن السادة «الصنايعية» الذين يعملون معه مازالوا يعتبرون أنفسهم في إجازة رغم مرور أيام علي الإجازة الرسمية!، ويعتذر لك صاحب المحل بأنه يعمل بنفسه وفوق طاقته مما يجعله لا يفي وحده بتلبية استغاثات الزبائن به!
وإذا كانت هذه هي أحوال الحرفيين وأرباب المهن، ناهيك عن «صبيتهم» الذين يعتبرون أيام العيد فرصة لا تسنح لهم إلا عند حلول العيد!، حيث لا يعترف أصحاب المحال بالإجازة!، فها هو الدور قد جاء علي أصحاب المحال لينتقم منهم الصبية!، بل ترتبك حياة الناس ارتباكاً شديداً عندما يصادفهم طارئ انقطاع المياه أو طفح المجاري أو انفجار كابل كهرباء!، وهذه كلها حوادث تابعة لجهات عامة منوط بها الصيانة والإصلاح، وكثيراً ما تنشر هذه الجهات أرقام تليفونات للاتصال بها في أحوال الطوارئ!، وقد سمعت موظفاً يرد علي تليفون الطوارئ في هذا العهد بأنه «لا يوجد أحد من الذين يقدمون علي الصيانة والإصلاح.. وكل سنة وانت طيب عيد يابك»!، ثم ماذا أقول في باعة الخضراوات التي تحتاجها البيوت يومياً وقد آثروا خلو الأسواق من بضاعتهم، ومغادرة العاصمة إلي حيث أهاليهم في الأرياف بحري وقبلي!، فهؤلاء يذهبون وليس في خطتهم العودة من إجازتهم لاستئناف نشاطهم قبل أسبوع علي الأقل من نهاية أيام العيد!، وسنكتشف إذا بحثت عن واحد يبيعك ما تريده من الطماطم أو البصل أنك لن يمكنك ذلك إلا بالذهاب إلي أقرب قرية!، أو المول الكبير الذي استعد لمثل هذه الطوارئ بكميات من الطماطم والبصل ولكن بكم؟!، تلك هي المعضلة التي تضعها أمامك «خميرة العكننة» التي أعدها لك كل الذين قد حجزوا مواقعهم في الشوارع بالعاصمة وأطرافها حتي في أيام الإجازات التي حددوها لأنفسهم حيث هم أوحشهم الأهل والأصدقاء في «البلد»!، وها نحن نكتشف أن أيام الإجازات والمواسم هي في واقع الأمر عملية اضطراب واسعة للحياة المعتادة للناس!، وقد تسعد الناس بموت الحياة في الشوارع وقد خلت من الزبائن الدائمين علي التزاحم اليومي!، ولكن هذه الشوارع التي خلت إنما هي أوضح علامة علي هذا الاضطراب الطارئ!