رأى الوفد
المشاركة السياسية عنوان التحول الديمقراطي
تشير الأدبيات السياسية إلي العلاقة الطردية الراسخة بين المشاركة السياسية وصحيح الممارسة الديمقراطية، استناداً إلي الوضعية المجتمعية للقيم والقواعد الديمقراطية الحاكمة للعملية السياسية بشكل عام. وإلي ذات الاتجاه تتجه مؤشرات الدرس الوطني، فيما قبل وبعد الثورة، لتؤكد علي كثير من العوامل التي تشكل قواسم مشتركة في المسيرة الإنسانية صوب إدارة حركتها ونموها وتطورها، فيما يؤكد أيضاً أن الشعب المصري لا تحجزه خصوصية عن الانخراط في العملية الديمقراطية وفق ما تمليه أبجدياتها المتوافرة عبر الكثير من التجارب الدولية هنا وهناك.
فليس من شك أن المشاركة السياسية الحقيقية والفعالة لا يمكن أن تأتي بعيداً عن مناخ ديمقراطي سليم، يؤكد للمواطن أهمية دوره في الحياة السياسية، ومركزية توجهاته في إدارة شئون الدولة إجمالاً؛ فيما يعبر عن كونه صاحب السلطات بالفعل.
وتأتي الانتخابات، بشكل عام، كملمح رئيس في المشاركة السياسية، يتأكد من خلالها مدى وثوق المواطن في مفردات العملية السياسية برمتها، وحقيقة ما تحتويه من قيم ديمقراطية تضيف علي عاتقه مسئولية تكبد مشقة الإدلاء بصوته تحت وطأة الكثير من الظروف الصعبة.
في هذا الإطار، تبدو الشكوك مشروعة إزاء حجم المشاركة الحقيقية في الانتخابات البرلمانية المقبلة والتي يستعد المشهد الداخلي لاستقبالها باعتبارها الاستحقاق الثالث والأخير من خارطة الطريق التي ارتضاها الشعب تعبيراً صادقاً وأميناً عن ثورة الثلاثين من يونية، تلك الثورة التي انطلقت لتؤكد علي تمسك الشعب بمبادئ ثورة يناير المجيدة، باعتبارها الثورة الأم.
فليس من شك أن المواطن بات يدرك علي نحو جازم، كم تعرضت قيم ثورته للتآكل بفعل الكثير من الممارسات سيئة السمعة التي عادت تطل بوجهها القبيح علي الساحة السياسية، فكم من تحالفات بين القوى المدنية فشلت في تجسيد إرادة الاصطفاف في وجه القوى الرجعية، وكم من رموز فاسدة ومُفسدة باتت علي صلة وثيقة بأدواتها القديمة التي طالما عاني الشعب جراء استخدامها لتزييف إرادة الشعب، وكم من رموز وطنية نالها من التشويه والتشهير ما يكفي لاستبعادها من أولويات الناخب.
وعليه، وإزاء ما شهدته الساحة الداخلية من ممارسات تنتمي إلي عهود أسقطتها الثورة، في يناير ويونية علي التوالي، لم تعد التجربة المصرية، وهي علي أعتاب السباق البرلماني، علي ذات الوعي الوطني الذي أحاط بالاستحقاق الأول المتمثل في دستور 2014، واستمر صعوده إلي السباق الرئاسي الذي أكد ملكية الشعب الخالصة لإرادته؛ ومن ثم فإن تراجعاً في المشاركة السياسية في الاستحقاق الثالث والأخير، ربما يؤكد أن مراجعات شتى باتت واجبة لاستعادة ما فقدته العملية السياسية من زخم شعبي، ليس إلا به يمكن الزعم بتحول ديمقراطي حقيقي؛ إذ يفقد الأخير عنوانه الصحيح إن لم يخلص إلي مشاركة سياسية فعلية.
«الوفد»