بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

هؤلاء اللابدون فى الذرة

كان أبى مدرس اللغة العربية الإلزامى وفديا كمعظم أقران جيله من المعلمين الذين أضاءوا بعلمهم وثقافتهم وانتمائهم الوطنى ظلام القرى المصرية، وأمدوها بنور المعرفة والتعليم فى الربع الأول من القرن الماضى، فى ظل ظروف بالغة الصعوبة يسودها شقاء الفقر وقلة الموارد والامكانيات فضلا عن التهميش والاستغلال والغبن والاحتلال .كان أبى يقول إن جذوة الثورة لمقاومة الاحتلال التى أشاعها زعماء الوفد وقادته وكتابه ومفكريه وشعرائه، قد شكلت زادا معنويا لقرى الريف المصرى، لمقاومة كل أشكال الظلم والسعى للتحرر من أغلاله والتطلع إلى «الاستقلال التام أو الموت الزؤام». أرجع أبى إلى دستور 1923 وحكومات الوفد الفضل فى مجانية التعليم الإلزامى ومجانية التعليم فى مراحله الأساسية، حين أطلق فيما بعد وزيرها «طه حسين» صيحته المدوية «التعليم كالماء والهواء حق لكل مواطن» وهى السياسات التى رفعت من أعداد المتعلمين فى قرى الريف المصرى، مما قلل من مصاعب الحياة فيها وحسن من أساليبها ولطف من سلوك أبنائها، وقلل من أحمالهم. ظل والدى وفيا لوفديته التى مثلتها قيم ثورة 1919 فى الحوار والديمقراطية والاستقلال الوطنى والوحدة الوطنية والتعددية الحزبية والسياسية. ولعل روح التسامح الدينى والإنسانى التى طبعت شخصية أبى كانت أبرز ملامح وفديته، فلم يكن يخفى أبدا اعجابه،بثقافة، بلاغة وفصاحة الزعيم الوطنى الجسور «مكرم عبيد» مبهورا بمقولته الشهيرة «نحن مسلمون وطنا ونصارى دينا». لم يجد أبى فى محبته الغامرة «لجمال عبد الناصر» أى تناقض بين انتمائه التاريخى لحزب الوفد وبين تأييده لثورة يوليو، ولعله كان واحدا من بين المثقفين الذين تحدثوا منذ وقت مبكر عن أن الثورات المصرية تكمل بعضها البعض، وأن «عبدالناصر» هو امتداد طبيعى لعرابى وسعد زغلول ومصطفى النحاس، وبرغم أن ثورة يوليو ناصبت حزب الوفد وقادته العداء، فى سياق سعيها لترسيخ سلطتها الجديدة،لم يؤثر ذلك فى رؤية أبى المستقرة، أن الوفد هو أكثر الأحزاب شعبية فى تاريخ مصر المعاصر، وأن ثورة 1952 جاءت كى تستكمل ما عجزت ثورة 1919 عن تحقيقه، كما لم يؤثر ذلك فى محبته العارمة لقادة الثورتين، وكانت مشاركة أبى فى جنازتى «مصطفى النحاس» و«جمال عبد الناصر» دليلاً ساطعاً على وعيه السياسى وروحه الوطنية الصافية، أين نحن الآن من هذا الوعى ومن تلك الروح التى تنصف الحقيقة، وتنحاز لمصالح الوطن العليا،حتى لو انعكس ذلك أحيانا بالسلب على بعض المصالح الشخصية، ونحن إزاء كتابات «اللابدين فى الذرة» هؤلاء المتربصين بكل ما يجرى فى الوطن منذ ثورة 30 يونية 2013 والتى تأبى أقلامهم وصفها بالثورة،فيما يتسع قاموسهم اللغوى لكيل المديح لـ25 يناير «أعظم ثورة فى التاريخ المصرى» كما قال أحد هؤلاء، دون أن يستعيد ما كتبه من قبل فى نقد أخطائها على أساس أن «آفة حارتنا النسيان»! «اللابدون فى الذرة» لا يعترفون أن الثورات تكمل بعضها البعض، وتصحح ما أخطأت فيه الحلقة السابقة عليها، وتنجز مالم تنجزه، وهى جزء من صيرورة الشعوب لاستكمال أهدافها. هكذا فعلت الثورة العرابية مع ثورتى القاهرة الأولى والثانية، وثورة 19 مع الثورة العرابية، وثورة يوليو مع ثورة 19، وحين جرى الانقلاب على جزء كبير من انجازات «عبدالناصر»، تم الاحتشاد مرة أخرى من أجل حلقة جديدة من الثورة هى التى قامت فى 25 يناير 2011 ضد الاستبداد والفساد والظلم الاجتماعى، وليس من أجل تغيير هوية الدولة الوطنية إلى دولة طائفية كما كان الحال فى عام كارثى من حكم جماعة الإخوان، وهو الانقلاب الذى لم يعترف به أبدا هؤلاء المتربصون اللابدون فى الذرة، بل تعاملوا معه فى حينه برقة ونعومة لا تبعث سوى على العار والخجل. اصطف الشعب فى ثورة 30 يونية لتصحيح هذا الانحراف فى الأهداف، ولانتزاع الدولة المصرية من براثن تنظيم فاجر وفاشى وإرهابى، استولى على ثورة يناير، ودجن بعض ثوراها، واشترى ولاء بعض تنظيماتها الهشة والضعيفة فى الحجم وفى التكوين النظرى وحتى فى الأخلاق، ليبدلوا شعار الثورة من عيش، حرية،كرامة انسانية، إلى المطالبة بسقوط حكم العسكر، حينئذ بدأت كتابات التربص واللبدان فى الذرة انطلاقا من موقف ثابت يرفض أى شيء وكل شىء من قبل الدولة والحكومة، بل وتتجاهل العواقب السياسية والاجتماعية والاقتصادية الفادحة التى نجمت عن اختطاف ثورة 25 يناير من قبل قوى الفاشية الدينية، والكلفة الباهظة التى استدعت مكافحة الخراب الذى خلفته، والإرهاب الذى ساهمت فى تدفق منظماته من شتى أصقاع الأرض إلى سيناء،وتتحلل من أى التزام تفرضه مخاطر اللحظة الراهنة بالتشكيك فى كل قرار، وتضخيم فى الوقائع، وخلط متعمد لأحداثها، وتضليل فى قراءة ما تعنيه. فى هذا السياق انشغل اللابدون فى الذرة بخطاب شعبوى، يزعم –دون أن يمنحهم أحد تفويضا بذلك – الدفاع عن حريات الرأى والتعبير التى باتت فى نظرهم مقموعة – مع أنهم يكتبون هذا التجنى داخل مصر وخارجها وفى كل وسائل الإعلام دون ان يقمعهم أحد- وعن التعدد والتنوع والحق فى الاختلاف، والدفاع عن فوضويين مخربين بزعم «أنهم أنبل شباب الثورة»، وعدم الخجل والتحرج من استدعاء التدخلات الخارجية فى الشئون الداخلية، دون أن يدرك هؤلاء أنهم بذلك لا يعادون الدولة المصرية وحكومتها فحسب، بل يقفون فى مواجهة ارادة شعبية كاسحة ارتضت كل التضحيات للدفاع عن بلدها ووحدة ترابه الوطنى، ومنحت تفويضها للقوات المسلحة والقوى الأمنية للتصدى لقوى الإرهاب ومحاصرة منافذه وأفراده والمحرضين عليه والداعمين له، ومن يمنحونه غطاء سياسيا لممارسة بغيه وعدوانه. كان انحياز الجيش للشعب فى ثورتى يناير ويونيو هو العامل الحاسم فى نجاح الثورتين، لكن الاعتراف بهذه الحقيقة، يتطلب قدرا من النزاهة العقلية والانصاف والتجرد واعلاء المصلحة العامة على المصالح الشخصية، يفوق ما يتحلى به هؤلاء المتربصون اللابدون فى الذرة!