بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

أنا وأوروبا.. وهذا الحزن «2»

 

إجازة صيف.. كلمة يحلم بها كل شقيان، كل إنسان قضى معظم أيام العام فى عمل دؤوب متواصل لم يكل منه أو يمل، فالعمل صفة اصطفى بها الله الإنسان لإعمار الأرض وتطويرها، العمل هو ما سيجازى عليه الإنسان فى الدنيا أولاً ثم الآخرة، لذا لا يشعر بجمال الإجازة وحلاوتها إلا هذا الشقيان التعبان، أما هؤلاء الـ «بلطجية» فى الإدارات والمصالح وكل المؤسسات بمصرنا الحبيبة، الذين يأكلونها «والعة» ويعتمدون على سلطة أو نفوذ سواء لهم أو لغيرهم لعدم أداء وجباتهم، أو القيام بالأعمال التى يتقاضون عليها أجرهم، ويستحلون رواتبهم ويأكلون هم أولادهم مالاً حراماً لم يتعبوا أو يعملوا مقابله، فهؤلاء لا متعة لهم فى إجازة ولا غير إجازة، حتى إن تظاهروا بالاستمتاع بالحياة، فالله سيسلبهم متعة الراحة، وحلاوة الإجازة وجمال الحياة، شأنهم شأن كل لص فى مصر، مهما اختلف نوع ما يسرقه من الشعب الغلبان، سواء سرق أموالهم عينى عينك من خلال الجشع الذى يمارسه التجار عبر المغالاة بأسعار السلع.

أو من خلال سرقة وقت المواطنين بتعطيل مصالحهم وأوراقهم، وتقاضى الرشاوى والإكراميات أو «الشاى» المزعوم، أو من خلال سرقة حقهم داخل الإدارات والمؤسسات بإعطاء الوظائف والترقيات والحوافز لمن لا يستحق على حساب من يستحق، أو من خلال سرقة راحتهم فى الخدمات والمرافق، بالإهمال فى صيانة هذه المرافق والخدمات اللصيقة بحياة المصريين، وهكذا، نجد أن الشعب المصرى فى كل الدراسات العالمية، شعب غير سعيد، ويتصدر قوائم الأبحاث فى عدم السعادة والشعور بالراحة والرفاهية، والسبب يا سادة أن نسبة لا يستهان بها من المصريين مصنفون فى مصاف اللصوص، لصوص الأقوات والأرزاق والوقت والراحة المفروضة للمواطنين، والباقى يعانى من هؤلاء اللصوص، يعانى من الظلم والقهر وضياع الحق، وضياع الوقت والراحة.

والمحصلة، لا لصوص مصر سعداء، ولا من يعانون من هذه اللصوصية سعداء، فتجد المواطن فى طلعة الصبح الندى وقد علت وجهه كشرة الغضب، وملامح الحزن تكسو ملامحه، لو ابتسم «لا قدر الله»، سرعان ما يبتلع بسرعة ابتسامته، لأن ما يواجهه منذ طلعة الشمس البهية حتى غيابها سيحارب هذه الابتسامة.. سيفترسها، سيقتلها ويمزقها إرباً، سيجد المياه مقطوعة، فلا يجد ما يغتسل به ليذهب لعمله، وسيجد المجارى أو ماسورة المياه منفجرة و«تترطش» بطينها على ملابسه، وسيجد الأتوبيس مكتظاً، فيذهب لعمله أو دراسته متأخراً، وسيقابله مديره بزمجرة وغضب، وبخصم كام ساعة أو أيام من راتبه، نهايته، أى كل الشعب المصرى غاضب وحزين، سواء اللصوص الذين لن يشعروا أبداً بسعادة أو راحة جراء ما ترتكبه أيديهم، أو ضحايا اللصوص الذين يعايشون الغضب والحزن  بسبب ما يعانونه يومياً فى حياتهم الكئيبة.

وعندما اختطفت إجازتى لأوروبا، وهى فى الواقع لتمضية بعض الأوراق للأولاد أكثر منها إجازة، حاولت أن أغادر حزنى وغضبى، الذى أعيشه فى مصر كضحية ضمن ملايين الشعب ضحايا اللصوص، أن أتقمص تلك السعادة المرتسمة على وجوه الأوروبيين، أن أستمتع بكل شيء بديع جديد أراه لأول مرة، فبديهى أن الأوروبيين يجددون ويضيفون ويجملون بلادهم فى كل يوم بل فى كل ساعة ودقيقة تمر عليهم فى الحياة، لأنهم ضد التجمد والتخلف، ضد التكاسل والتقاعد، ضد الكسب بلا عمل، ولا لما كانوا قد وصلوا ببلدانهم إلى هذا التقدم التقنى، والرفاهية فى الحياة، واليسر فى تقديم الخدمات للمواطنين خلال سنوات قليلة أعقبت الحرب العالمية الثانية، التى خرجت منها كل بلدان أوروبا منهارة بفعل الاحتلال الألمانى النازى.. مهدمة.. منهكة، لا مال فيها ولا اقتصاد، لا طرق فيها ولا مؤسسات، المواد الغذائية كانت تصرف بالبطاقات، المياه النظيفة كانت شحيحة، كانت النساء تضطر للسير كيلو مترات للحصول على «جركن مياه للشرب»، الجيوش مهزومة, الأمن الداخلى ضائع، وتمكنت هذه الدول بقدرة قادر وبإرادة شعوبها، وبدعم أمريكى من خلال خطة «مارشال» فى إحياء مواتها بسرعة هائلة، وبناء نفسها فى قوة وصلابة، ولتنطلق بها مشروع السوق الأوروبية المشتركة، ثم الاتحاد الأوروبى، ثم الوحدة الاقتصادية، كل هذا فى سنوات قياسية، وفى قفزات خطيرة تشبه الطفرة.

ولأن هذه الشعوب عانت، وذاقت طعم الفقر، وذل المستعمر، وغياب الحرية، وهزيمة الجيش، وانفلات الأمن، حافظت حال نهضتها بقوة على كل مكتسباتها، وليس لديها أدنى استعداد أن تتنازل عن هذه المكتسبات، وتتعامل بكل قسوة وقوة مع كل من يحاول أحد المساس بهذه المكتسبات، لذا تجد أى جريمة لاستغلال نفوذ أو كسب غير مشروع أو سرقة لمال عام، عقوبتها بشعة ومشددة، وتتجاوز بسنوات عديدة عقوبة من يقتل شخصاً مع سبق الإصرار والترصد، لأن جريمة سرقة المال العام لديهم أو استغلال النفوذ، تعنى جريمة تهدف إلى قتل الشعب كله، تهدف إلى سرقة وطن وإفقاره وتدميره وهو ما لا ولن يسمحوا به أبداً.

أقول إنى حاولت تقمص مشاعر السعادة فى إجازتى لهولندا وثلاث دول أوروبية أخرى، ولكنى للأسف، عشت حزناً ما بعده حزن، وكأنه كتب علينا كمصريين هذا الحزن، نعم.. عشت حزن المقارنة بين بلدى الحبيب مصر، وبين هذه الدول، يا ويلى.. لا توجد ماسورة مجارى واحدة تنفجر، يا غيظى المياه أبداً لا تنقطع، يا حسرتى، الكهرباء أبداً لا «تضرب» محولاتها من كثرة الأحمال، يا لبشاعة غيظى وحسدى، الطرق لا يتم هدمها وحفرها بين يوم وآخر لتركيب ماسورة ونزع أخرى، ثم تترك الشوارع مهدمة خربة مطباتها «خوازيق»، وبالمناسبة أطلب من محافظ القاهرة زيارة إحدى المناطق المزعومة بأنها «راقية» وهى المعادى الجديدة والحى المحيط بكارفور ومستشفى الهيئة العربية للتصنيع ومنطقة البساتين من امتداد شارع الجزائر، ليمتع نظره بالشوارع المحفورة التى تم تركها منذ شهرين بعد تجديد بعض التوصيلات الأرضية، وليرى مواسير المجارى المتفجرة كل يوم بالدماء والرائحة البشعة والممتدة من «المدبح».. وللحديث بقية.

[email protected]