مكلمخانة
«حاتم» صاحب الطاقات المتنوعة
عاصرت الحضور القوي والوجود الدائم علي مسرح حياتنا العامة لصاحب الطاقات المتنوعة الذي رحل عنا منذ أيام د. عبدالقادر حاتم رئيس وزراء مصر الأسبق، وكانت المهام المختلفة تسند إليه فيتوفر علي إنجازها بأسلوب «عملي» لافت للنظر، ولم تكن لديه رغبة في استهلاك الأوقات تحت دعاوي الدراسة والتمحيص، بل كان يري أن الإنجاز ينبغي أن يكون هدفاً في حد ذاته، وأن التجربة وحدها كفيلة بأن ترشد طريقها وتتخلص من أخطائها بدون أن يسمح للأخطاء بالتراكم والاستمرار، وربما كان هذا يدفعه دائماً إلي الانتهاء من «الكم» أولاً قبل الوقوف عند مراجعة «الكيف»!، ولعل هذا ما جعل الكثير من المثقفين يعتبرونه رجل سياسة الكم علي حساب الكيف، ولكن هذا الاتهام له لم يقعده عن خدمة توجهات نظام الدولة كما هي منطلقة إلي غايات محددة، وكان الإعلام الموجه علي رأس الأولويات التي أخلص لها عبدالقادر حاتم في ذروة حاجة نظام مصر إلي إعلام قوي يعبر عن النظام وأهدافه في الداخل والخارج، وعلي صعيد القضايا الملحة التي خاض فيها النظام طائعاً أو مكرهاً حسبما قادته ظروفه المحلية والعربية والدولية، وكانت لعبدالقادر حاتم طاقته المتوهجة التي جعلت من «مصلحة الاستعلامات»- هيئة الاستعلامات فيما بعد- المحرك الإعلامي المصري للتعبير عن توجهات مصر الإعلامية في الداخل والخارج، كما كان للاستعلامات المصرية نشاطها في مجال النشر، إذ كانت تطبع كتباً مهمة في طبعات رخيصة بشعار «كل ست ساعات كتاب»، ومن هذه الكتب ما هو مترجم وما هو محلي لكبار المفكرين السياسيين هنا وهناك.
وقد عكف «د. حاتم» بعد ذلك علي التخطيط لدخول التليفزيون المصري بتكليف من الرئيس الراحل «عبدالناصر»، وقد بادر «حاتم» من جانبه إلي تحديد الموعد الذي سوف يبدأ فيه الارسال التليفزيوني المصري في عام 1961، وأوفي «د. حاتم» بوعده، وقد أحدث التليفزيون «نقلة» هائلة في وضع إعلام الصورة المعبرة عن الدولة ورموزها، وأتذكر في هذا الصدد أن «د. حاتم» قد عمد إلي أن يكون التليفزيون في كل بيت، بأن تكون البرامج متنوعة لا تفتقر علي السياسي منها فقط، وقد أنشأ «د. حاتم» فرق مسرح التليفزيون التي ضمت جيشاً من فناني المسرح ومخرجيه، وكان الإنفاق علي التليفزيون يلقي مؤازرة من رئيس الدولة مباشرة، ذلك ان التليفزيون كان الوسيلة التي جعلت صورة رئيس الدولة وتحركاته في كل بيت!، في الوقت الذي كانت فيه وزارة الثقافة تعاني من شح الميزانية التي تخصها في موازنة الدولة!، وعندما أراد الرئيس الراحل أنور السادات اختيار رئيس للوزراء وهو يتأهب لخوض حربنا المنتصرة في أكتوبر 1973، لم يجد خيراً من د. عبدالقادر حاتم ليتولي تصريف الشئون المدنية للدولة وإعدادها للحرب، كي تفي باحتياجات القوات المسلحة، فكان أداء «د. حاتم» لهذه المهمة الصعبة خير شاهد علي دقة الاختيار التي تحسب لـ«السادات» و«حاتم» معاً، وعلي كثرة المهام التي تولاها «د. حاتم» واستهلكت منه الكثير من الجهد الدائب، عرف الرجل كيف يتوجه نحو مرحلة اعتزال تتيح له أن يفعل ويمارس ما حرمته المناصب الرسمية منه، فكان دائب القراءة والمتابعة للأحداث، وكان عزوفاً عن التواصل مع الإعلام كواحد من ضيوفه وهو أبرز صناع الإعلام المصري، حتي رحل عن الدنيا تاركاً هذا الزاد من الميراث العام الذي لا ينضب.