مكلمخانة
جوائز الدولة.. مرضنا الثقافي المزمن!
مرت سنوات طويلة علي قراري بألا أكتب كلمة واحدة مدحاً أو قدحاً فيما يختص بموسم الإعلان عن جوائز الدولة بأنواعها وإلي من ذهبت!، وكان آخر عهدي بالكتابة في هذا الصدد المفاجأة التي داهمتني- وكانت مفاجأة فاجعة حقاً!، بإعلان المجلس الأعلي للثقافة الذي كان رئيسه وقتها- أو أمينه العام- د. جابر عصفور المثقف الكبير وعلي عهد وزير الثقافة الفنان فاروق حسني أن جوائز الدولة التقديرية قد ذهبت إلي رئيس الوزراء الأسبق الراحل د. عاطف صدقي!، ورئيس مجلس الشعب د. أحمد فتحي سرور أستاذ القانون المرموق، هذا إلي جانب فوز عدد من الذين يتصلون بقربي من السلطة البارزة في النظام الحاكم وقتها مما أكد أن المسألة كلها كانت عبارة عن نية مقررة كانت قد بيت أصحابها النية علي فوز رجال النظام والمقربين منه بالجوائز!، وأتذكر أيامها انني قد كتبت مقالاً لي في جريدة «الوفد» أعلنت فيه رفضي لمثل هذا التهالك الرخيص واستغفال المثقفين بكل هذه الجسارة!، وفي نفس الشهر كتبت مقالاً نشرته مجلة «إبداع» الثقافية الشهرية ونشره رئيس تحريرها الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي، وكنت في معمعة هذه الموقعة، قد عكفت علي قراءة قرارات الترشيح لمختلف الشخوص التي فازت، والأهم من ذلك بالطبع التدقيق في أسباب ترشيحهم للفوز، والتي وردت في تقارير الجهات التي رشحتهم!، ومن أسف أن بعض هذه الجهات قد شملت جامعة عريقة اجتمع مجلسها الموقر ليذكر في قراره ترشيح رئيس الوزراء د. عاطف صدقي انه «عالم الأمس واليوم» هكذا مرة واحدة!، وقد سارع د. أحمد فتحي سرور بإعلان تنازله عن الجائزة!، رغم استحقاقه وجدارته بالجائزة عند العارفين بمكانته كواحد من أساطين القانون الجنائي في مصر والعالم العربي، لكنني أدركت أن الرجل وهو في منصبه الرسمي قد تخفف من شبهات عند البعض بأن من منحوه الجائزة ينافقونه، وقد أحاطت زوبعة كبيرة بإعلان أسماء من فازوا بالجوائز علي النحو الذي أوضحته، وقد وجدت أن عبارة «عالم الأمس واليوم» قد دفعتني دفعاً إلي السخرية المرة منها، فذكرت في مقالي لمجلة «إبداع» انها عبارة لا تليق بها مناسبة منح رئيس الوزراء الجائزة الكبري ولا يجب أن تذكر بما تحمله من مبالغة صارخة!، بل هي عبارة من نوع ما تغنت به أم كلثوم في واحدة من أغنياتها تخاطب الحبيب: ياحبيب إمبارح وحبيب دلوقتي!
لكن الذي جعلني أكتب هذا المقال انني وجدت ما يثار حول إعلان جوائز الدولة والفائزين بها هو هو نفس الكلام الذي تشهده هذه المناسبة كلما حلت!، بحيث أصبح إعلان هذه الجوائز موسم أوجاع المرض المزمن الذي أصبحت تمثله المناسبة!، وها هو الحديث حول المرض المزمن يتجدد هذه الأيام وقد أعلنت جوائز الدولة وأسماء من أصابهم الحظ!، ليثور الحديث مجدداً في الصحف عن «التربيطات» التي اعتدنا عليها تحيط بكوتة «الجوائز» و«التراتيب» التي تجعل توزيعها يرتبط بكبر السن دون أن يعني هذا ثراء إنتاج الفائز أو استمراره!، وكيف أن «الموظفين» من الوزارات المختلفة هم الذين يتولون التقييم!، إلي غير ذلك مما يستمر لعدة أيام ينفض بعدها سامر الكلام حول الجوائز وسمعتها السيئة!، دون أن تبدو لنا بارقة أمل في خلاصنا من هذا الصداع الموسمي!