بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

المواطنة.. اتجاه حياة

 القس رفعت فتحى أمين
القس رفعت فتحى أمين عام سنودس النيل الإنجيلى

 

 

 

المواطنة يمكن أن تُعرّف بالحقوق التى تكفلها الدولة لمَنْ يحمل جنسيتها، وما يتبع ذلك من مسئوليات والتزامات. فالمواطنة تتيح مشاركة الفرد فى أمور وطنه، وتجعل الأفراد يلتفون حول الصالح العام، لتحقيق أهداف مشتركة.

وتضمن المواطنة للفرد حرية التعبير والاعتقاد والتقاضى، كذلك حقه فى المشاركة فى الحياة السياسية.

ولكن بعيدًا عن النظريات والآراء المختلفة، يمكن أن نعرّف المواطنة على أنها اتجاه حياة.. هى سلوك عملى يسلكه الفرد وتنتهجه الدولة فى كل مؤسساتها. ويمكن أن نرى المواطنة فى أفراد يؤمنون بحق الاختلاف. علينا أن ندرك أننا مختلفون عن بعضنا البعض، وهذه سُنة الحياة. والاختلاف لا يجب أن يدعونا إلى التقاتل والتناحر، ولكن بالأولى إلى التكامل.. فالجسد مكون من أعضاء كثيرة مختلفة فى الشكل والوظيفة، ولكنها جميعًا تتحد لتحقيق الهدف الذى يقرره العقل، لذا، لا يجب أن نحوّل الاختلاف إلى خلاف، ولكن إلى تكامل.. نحن مختلفون فى الشكل واللون والعقيدة والتوجّه؛ لكننا– معًا – نستطيع أن نحقق تطورًا كبيرًا فى حياة وطننا.

ويمكن أن نرى المواطنة أيضاً فى العيش المشترك، أن يحيا كل إنسان- بصرف النظر عن جنسه أو دينه أو عرقه أو فكره أو قدرته - فى سلام مع الآخرين فى نفس الوطن، ولا يكون هناك أى تمييز أو تنمّر ضد أى إنسان آخر. لقد اختبرنا فى مصر فى النصف الأول من القرن الماضى، وجود الكثير من الجنسيات داخل مصر من العديد من بلدان العالم، أرمن وإيطاليين وقبارصة وإنجليز وغيرهم، وكان هذا تزكية كبيرة للدولة المصرية فى ذلك الوقت، فقد استطاعت أن تستوعب الجميع، وتمد عليهم مظلة الأمن والأمان والطمأنينة. وهذا ما نراه الآن من استيعاب مصر للذين لجأوا إليها من السودان وسوريا والعراق وأريتريا وإثيوبيا، يعيشون فيها كمواطنين مصريين.

إننا نستطيع أن نرى المواطنة أيضاً فى المجتمع الذى يقبل الآخر، من منطلق أنه إنسان، وأن كل البشر إخوة لأنهم خليقة الله فى هذا الكون. فأنا لا أقبل الآخر لأنه يشبهنى فى

الفكر أو العقيدة؛ ولكن أقبله لأنه أخى فى الإنسانية، وإن كان لا يتفق معى فى أمور كثيرة. أقبل الآخر كما هو لا كما أريده أنا أن يكون.

ويتجلى معنى المواطنة فى أبهى صورة فى مجتمع يرفض التعصب، وينبذ خطاب الكراهية، ويدعو إلى التسامح والسلام والمحبة.

إن خطاب الكراهية الذى ظل سائدًا فى العقود الماضية أدى وبشكل كبير إلى الاحتقان المجتمعى، وانتشار العدّاء وتكفير الآخر والتقوقع على الذات. وكل هذه الأمور قادت وبشكل كبير إلى التراجع الثقافى والحضارى فى بلادنا التى كانت فى يوم من الأيام، الدولة العظمى فى العالم، فلا نريد أن ينطبقَ علينا القول:

تجد الذين بنى المسلةَ جدُهم

لا يُحسنون لإبرةٍ تشكيلًا

إن المواطنة ليست مجرد نظريات، أو سجالات فلسفية ولكنها أسلوب حياة. وأود أن أثنى هنا على الدور المتميز الذى تقوم به الدولة لخلق مجتمع يقوم على المواطنة وقبول الآخر، ويدعو لنبذ خطاب الكراهية، وإقرار السلام والتسامح فى ربوع الوطن. وأود هنا أن أشير إلى أهمية صفحة الكنيسة التى أسستها جريدة حزب الوفد ترسيخًا لدور الحزب كمؤسسة وطنية تاريخية.

يقول أمير الشعراء بعد عودته إلى مصر من المنفى

ويا وطنى لقيتُك بعد يأسٍ كأنى قد لقيتُ بك الشبابا

فلو أنى دُعيتُ لكنتَ دينى عليه أقابلُ الحتمَ المُجابا

أُديرُ إليك قبل البيتِ وجهى إذا فهتُ الشهادةَ والمتابا