مصر.. ملاذ آل بيت الرسول
أرض الكنانة مقصد الصحابة وأولياء الله الصالحين
السيدة زينب اختارت مصر بعد فاجعة كربلاء
الغزو الفكرى يستهدف قتل روح الإسلام فى الشعب المصرى
كما شرفت مصر ببعث رسل الله الكرام إليها، فقد شرفت أيضاً بتواجد العديد من أهل بيت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. منهم سيدنا الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة، والسيدة عائشة، والسيدة رقية، والسيدة فاطمة النبوية، والسيدة عاتكة عمة الرسول، وسيدى على زين العابدين، وسيدى زيد الأبلج، وسيدى محمد الأنور، وغيرهم الكثير ممن شرفت بمجيئهم أرض مصر. ولم يكن ذلك أبدًا محض مصادفة، بل كان مرتبطًا بأهمية أرض مصر وموقعها الرئيسى فى الإسلام، والدعوة له وتبليغ رسالته وانتشاره والدفاع عنه، وصلاحية أهلها لتحمل هذه المهام الجسام، ولحب المصريين وتعلقهم بأهل بيت سيدنا رسول الله.. حيث استقبلهم المصريون عندما حلوا بأرض الكنانة بكل الحب والشوق والإعزاز والتعظيم والتكريم، فأحاطوهم بحبهم وتعلقوا بهم، وافتدوهم بأرواحهم، فكانوا وما زالوا منارات للهداية والبركة.
وإذا ما توقفنا أمام الآيات التى تتحدث عن أهل البيت، فسنجدها تحمل الكثير مما يدل على أن حضراتهم مصادر هداية وبركة ورحمة.. منها قوله تعالى «رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد» حيث تدل هذه الآية على بعض خصائص أهل البيت، وتوضح أنهم على رحمة وبركة وحمد من المولى عز وجل. ولما كان قول الحق تبارك وتعالى مطلقا لا يحده زمان أو مكان، فإن هذه الآية تعنى أن حضارتهم أينما كانوا، وأينما رحلوا، وأينما حلوا فهم مصادر لهذه الرحمة والبركة والحمد والنجاة لكل من يتعلق بهم ويلوذ بحماهم ويتأسى بهم.. خاصة أهل مصر. وهنا يصدق حديث سيدنا رسول الله صلى لله عليه وسلم «أهل بيتى كسفينة نوح فى لجة البحر، من تعلق بهم نجا، ومن تخلف عنها غرق» وليس هذا بالأمر الغريب على أهل بيت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين تخلقوا بأخلاق حضرته، التى يصفها المولى عز وجل فى قوله تعالى «وإنك لعلى خلق عظيم»، وقول «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ومن البديهى أن أول من أتمم لهم حضرته مكارم الأخلاق هم أهل بيته وصحابته المكرمين.. كما تأدب أهل بيت حضرته بآداب الإسلام القويمة التى أدَّب بها المولى عز وجله رسوله، والتى يشير إليها حديثه الشريف: «أدبنى ربى فأحسن تأديبى». لذلك يحضنا المولى عز وجل على دوام مودة أهل بيت سيدنا رسول الله، وذلك فى قوله تعالى على لسان حضرته: «قل لا أسألكم عليه من أجر إلا المودة فى القربى». وأولى القربى بالمودة - بلا أدنى شك أو تردد - هم قربى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. مصادر الرحمة والبركة، وفلك النجاة فى هذا الوجود على الدوام والاستمرار، كما تبين ذلك آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة التى يأمرنا المولى عز وجل بتدبرها وتعقلها والعمل بها. ومن ثم فإن هذه الأفضال الإلهية التى اختص بها المولى عز وجل أهل بيت سيدنا رسول الله.. لابد أن تنعكس فى كل من يودُّهم ويتقرب منهم ويتوسل بهم ويحبهم ويلوذ بحماهم من المسلمين، فيجنون ثمرته خيرا وبركة ورحمة فى حياتهم وآخرتهم.
خاصية أخرى من خصائص أهل بيت سيدنا رسول الله، توضحها آية قوله تعالى: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا» حيث توضح هذه الآية الكريمة أن إرادة المولى عز وجل شاءت أن يذهب عن أهل بيت رسوله كل ألوان وصنوف الرجس، وأن يطهرهم من علائق كل ما يمكن أن يصيب الإنسان من شرور وهواجس الشياطين وأهواء النفس. ومن بديهيات الإيمان أن نؤمن بأن إرادة المولى عز وجل إذا شاءت فهى نافذة لا محالة.. مصداقا لقوله تعالى: «إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون». ومن ثم يمكننا أن نستنبط أن أهل بيت أى رسول من رسل الله تعالى لهم خصوصية خاصة، فهم ليسوا كأى ناس، كما أن هناك حكمة إلهية من إخبارنا فى آيات القرآن بهذه الخصوصية، فهى بجانب كونها تشريفا وتكريما لحضرات أهل بيت سيدنا رسول الله، فإن فيها أيضاً مقصدا للهداية بالنسبة لعامة المسلمين وخاصتهم، تتمثل فى أن كل من يودُّهم ويتعلق بهم ويتأسى ويقتدى بهم، ينال من هذا الفضل الإلهى الذى أسبغه المولى عز وجل على أهل بيت الرسول.
ولم يقتصر تشريف المولى عز وجل لمصر بأن جعل أرضها موطئا لأقدام رسل الله وأهل بيت سيدنا رسول الله فقط، بل حظاها أيضاً بمقدم العديد من صحابة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا على الدوام والاستمرار نجوما للهداية ومنارات للتأسى والاقتداء، والذين على أيديهم وأكتافهم انتشر نور الإسلام فى بقاع الأرض، وبفضلهم قامت الحضارة الإسلامية العظيمة فى ربوع الأرض، والتى لا يزال الشرق والغرب حتى اليوم يقتات على فتات موائدها، كما يعترف بذلك علماؤهم ومؤرخوهم. يوضح تلك الحقيقة الحديث الشريف «أصحابى كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم»، وهو ما يعنيه الحق تبارك وتعالى فى قوله «وبالنجم هم يهتدون». من هؤلاء الصحابة المكرمين الذى شرفت بمجيئهم أرض مصر، وكانت مقرا ومثوى لهم.. الصحابى الجليل حسان بن ثابت (مقره فى حدائق القبة)، والصحابى الجليل القعقاع بن عمرو التميمى (المنزلة)، ولذلك سميت بـ(منزلة القعقاع)، وكانت له صولات وجولات شهيرة فى الفتوحات الإسلامية.. ومنها فتح مصر، حتى سمى بـ«الرجل الجيش». هذه الخصوصية ليست قاصرة فقط على حضراتهم، بل تنسحب أيضاً على كل من يقتدى بهم، ويهتدى بهديهم.. خاصة من أبناء مصر. فلقد بلغ هؤلاء الصحابة المكرمون الذين حظوا بشرف المعية لحضرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والارتباط الكامل بحضرته أعظم درجات الكمال، حتى أصبحت حياتهم كلها أسوة طيبة لكل مسلم.. سواء فى جهادهم ضد الكفار، أو فى تعاملهم مع المؤمنين، أو عبادتهم لله، وهو ما يعنيه الحق تبارك وتعالى فى قوله: «محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلا من الله ورضوانا». لذلك حذرنا سيدنا رسول الله من الخوض فى سيرة حضراتهم بما لا نعلم، وبما يسىء لهم وذلك فى الحديث الشريف «إذا ذكرت أصحابى فأمسكوا». وهناك من الأحاديث الشريفة وقصص صحابة رسل الله، ما يوضح أن حضراتهم كانوا دائما وسيلة المؤمنين إلى الله تعالى ليكشف ما كان يحل بهم من بلاء.. سواء أفرادا أو جماعات.
فأين هذه الحقائق القرآنية العظمى التى تكشف عنها العديد من الآيات القرآنية من تلك المقولات الهابطة والساقطة التى يتقوّل بها المكذبون والمتخرصون من أئمة الفكر المتطرف فى مصر وغيرها من البلاد الإسلامية، ويردُّدونها من آن لآخر بلا أدنى حياء أو أدب، والتى يزعمون فيها أن زيارة أهل بيت سيدنا رسول الله هو نوع من الشرك بالله؟! بل نجد للأسف بعض من يسمون برجال الدين فى مصر وغيرها فى البلاد الإسلامية يدعو إلى هدم أضرحة حضراتهم حتى لا يؤمها المسلمون المتبركون بهم.. إلى هذا الحد من الحقد والكراهية لأهل بيت سيدنا رسول الله وصل الحال بهؤلاء الضالين المضللين، عمى البصيرة، غـُلف القلوب وغـُلاَّظها! ألم يدركوا خطورة تحذير سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شأن من يؤذى أهل بيته وصحابته، والذى يقول فيه: «الله الله فى أصحابى، لا تتخذوهم غرضا من بعدى.. من أحبهم فبحبى أحبهم، ومن أبغضهم فقد أبغضنى، ومن آذاهم فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه». كذلك الحديث القدسى: «من عاد لى وليا فقد آذنته بالحرب» فإذا كان هذا شأن من يعادى أولياء الله الصالحين، فكيف الحال مع من يعادى أهل بيت سيدنا رسول الله وصحابته؟! وإذا أردنا أن نناقش بعقلانية مجردة تلك المزاعم المأفوكة التى يدّعونها بأن زيارة أضرحة أهل البيت هو نوع من الشرك.. فسوف نجد ملايين المصريين عبر القرون يزورون أضرحة سيدنا الحسين والسيدة زينب وغيرهما من أهل البيت، فما سمعنا مصريا يُشرك بالله ويؤلّه - حاشا لله - سيدنا الحسين أو السيدة زينب، بل إن المصرى أو المصرية.. يأتى أهل البيت ليتبرك بهم باعتبارهم وسيلته إلى الله تعالى، لمكانتهم العزيزة وقرب منزلتهم من الله ورسوله، وإعمالا لقوله تعالى «اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة». ولا شك أن الوسيلة ليست هى العمل الصالح كما يزعم البعض، ذلك أن العمل الصالح هو أحد مظاهر تقوى الله، أما الوسيلة فهى التى يعنيها الحق تبارك وتعالى فى قوله «أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة»، وقوله تعالى «اتقوا الله وكونوا مع الصادقين» فلماذا يأمرنا المولى عز وجل بأن نكون مع الصادقين فى الأمة بعد أن نتقى الله؟ لا شك أن هناك حكمة إلهية من ذلك، حيث تحفظ صحبة الصادقين فى الأمة على المسلم تقواه، وإلا لما نصَّ الله على هذه الصحبة كأمر إلهى، بعد تقوى الله، وليس هناك من هم أصدق وأحق بالصحبة من أهل بيت رسول الله وصحابته. وهناك العديد من الآيات القرآنية التى توضح أن أهل بيت أى من رسل الله تعالى.. هم محل اصطفاء إلهى، منها قوله تعالى « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ» وقوله تعالى فى شأن أم سيدنا عيسى عليه السلام «وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين» لذلك يأمرنا المولى عز وجل بأن نتخذ من أهل بيت رسل الله تعالى وصحابته على الدوام والاستمرار.. مصادر للتأسى والاقتداء، مصداقا لقوله تعالى فى شأن أهل بيت سيدنا إبراهيم عليه السلام «لقد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم والذين معه». فهل بعد كل تلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة قاطعة الدلالة وقاطعة الثبوت.. يمكن أن يدعى مُدعِّ بأن زيارة أهل بيت رسول الله وصحابته هو نوع من الشرك؟! «كبُرت كلمة تخرج من أفواههم إنْ يقولون إلا كذبا».
وإذا انتقلنا إلى معتقد المصريين وسلوكهم إزاء أهل البيت، فسوف نجد الظاهرة التى تقتصر - أو تكاد - على الحياة الدينية فى مصر، وهى التوافق بين انتماء الغالبية العظمى من أبناء مصر إلى مذهب السنة، وحبهم المتحمس فى الوقت ذاته لآل البيت. وهى ظاهرة تغيب عن معظم الأقطار الإسلامية، ولعل النقيض هو الواقع الذى تحياه تلك الأقطار. فالشيعة فى إيران وغيرها من الأقطار التى تضم أغلبية شيعية، يضعون إطارا محددا حول السلالة المحمدية يتمثل فى السيدة فاطمة وسيدنا على بن أبى طالب وأولاده، ولا يتصورون داخل هذا الإطار شخصية أخرى، مهما سما قدرها. ولكن منذ بدايات الفتنة الكبرى وما تلاها، كان موقف المصريين واضحًا فى مناصرة أهل البيت، ذلك الموقف الذى تأكد عندما استقبلت مصر بعد مأساة كربلاء العديد من آل البيت، وأصبح لهم مساجدهم المشهورة فى القاهرة بأسمائهم.
فبعد فاجعة كربلاء، عادت السيدة زينب إلى المدينة المنورة، ومعها سيدات أهل البيت، والوحيد الذى بقى من صلب سيدنا الحسين: على زين العابدين. لكن الأمويين أشفقوا على أنفسهم من بقاء السيدة زينب فى المدينة وطالبوها بأن تختار مقاما آخر غير المدينة ومكة، بدعوى (حتى لا تظل تحت الرماد شبه نار) فاختارت بلا تردد أن ترحل إلى مصر، وما كان ذلك إلا بسبب توصية سيدنا رسول الله بمصر وأهلها، وعاطفتهم التى لم تعرف التخاذل أو التردد فى حب آل البيت.. حيث أعلن المصريون محبتهم وتعاطفهم مع آل البيت، وجاهروا برفض كل المؤامرات التى حبكت ضدهم. كانت السيدة زينب على يقين تام من أن المصريين لابد أن يحسنوا استقبالها، وعندما قابلها المصريون بالمواكب الهائلة التى أحاطت بها لما شارفت أرض مصر عند مدينة بلبيس بالشرقية، راحت تردد فى
وحين قدمت السيدة نفيسة، بنت سيدى حسن الأنور فى 25 رمضان 193 هجرية، كان الألوف من أبناء مصر - رجالا ونساء - فى استقبالها عند العريش بالهوادج والمصاحف المرفوعة والتهليل والتكبير، ولقد عانت السيدة نفيسة طيلة إقامتها فى مصر من المحبين لآل البيت، المتلمسين البركة، الطالبين الشفاعة، كانوا يفدون من المدن والقرى، فلا تكاد تخلو لنفسها لحظة واحدة. ويقال إنه بعد انتقال حضرتها إلى جوار ربها قرر زوجها أن ينقل جثمانها الطاهر إلى المدينة لتدفن فيها، فتظاهر المصريون معلنين رفضهم ذلك، وطالبوا الوالى بالتدخل، وكان أن رأى زوجها رؤيا يطلب منه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدفن السيدة نفيسة فى القاهرة، وقد كان.. الأمر الذى أراح قلوب المصريين المحبين لها.
لقد أحب المصريون سيدنا رسول الله وآل بيته، وأعلنوا هذا الحب وحرصوا عليه، لكنهم رفضوا أن يضم هذا الحب أى إطار من أى نوع، أو أن تكون المذهبية بالتحديد هى الجسر الذى يصلهم بآل البيت، إنه حب دافق خالص للرسول وآل بيته. وإذا كانت للشيعة اجتهاداتهم التى تتحدد فى إطار المذهبية وهذا شأنهم، إلا أن أهل السُنـَّة فى مصر يجدون فى تلك الاجتهادات تجاوزًا تغيب عنه الكثير من الحقائق القرآنية.. خاصة فيما يتعلق بصحابة سيدنا رسول الله، الذين ينالون من المصريين كل حب وتوقير. لذلك فإن حب المصريين لآل البيت يجد بدايته قبل العهد الفاطمى - الذى ينتمى إلى الشيعة - بمئات السنين، وليس مع قدوم الفاطميين لمصر كما يدعى البعض.
ولقد انعكس حب المصريين لرسول الله وآل بيته وصحابته فى دوام زيارة أضرحتهم والتبرك بهم، وفى الاحتفالات الواسعة التى تقام فى موالدهم، والتى لا تقتصر على أبناء الحى أو المدينة، بل إن افواج المصريين تتوافد على مقاماتهم من كل أنحاء مصر.. من أقصى الدنيا، ومن أقصى الصعيد، المشارك فيها الموسرون والفقراء على السواء تبركا بالمناسبة، وحبا فى صاحبها. كما يسمون أولادهم بأسماء سيدنا رسول الله (محمد) وأهل البيت (زينب، خديجة، نفيسة، فاطمة) وصحابة سيدنا رسول الله (أبو بكر، وعمر، وعلى، وعثمان) و(عبد النبى) و(حسن وحسين ومصطفى).
وهنا نكرر صدق المقولة المعروفة (مصر المحروسة).. فهى محروسة فعلا بعناية الله ورسوله، ومحروسة أيضاً بآل بيت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته المكرمين الذين آثروا أن يكون مقامهم ومثواهم فى أرض مصر.. بشفاعتهم وبركتهم نالت مصر وتنال الحماية. وإذا كانت مصر قد جاوزت فى تاريخها وعلى توالى العصور عشرات المحن، فما ذلك إلا لأنها مباركة بوجود أهل البيت وصحابة سيدنا رسول الله، وأوليائه الصالحين والتابعين، ويعد عامة المصريين زيارة ضرائحهم واجبا دينيا فى انتقالهم من مدنهم وقراهم إلى مدن وقرى أخرى بها مقامات حضراتهم، وبركة يحرص الزائر على التماسها لنفسه وأهله ولكل أبناء الإسلام.
مصر مقصد أولياء
الله الصالحين
وكما كانت مصر ملاذا ومأوى أهل بيت سيدنا رسول الله وصحابته الكرام، فقد كانت أيضاً مقصدًا لأولياء الله الصالحين، وهم الذين يخبرنا عنهم المولى عز وجل فى قوله تعالى: «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون». وباستعراضنا الفترات الزمنية المواكبة للحروب المصيرية التى خاضتها الأمة الإسلامية بقيادة مصر ضد أعدائها.. خصوصًا عندما كانت تشتد الهجمات العقائدية ضد المسلمين عامة والمصريين خاصة، فسنجد المولى عز وجل يهيئ لمصر من أوليائه الصالحين من يتصدى بكلمة الحق لهذه الهجمات العقائدية، ليكشف بطلانها، ويبطل فاعليتها فى نفوس المسلمين، ويشعل روح الجهاد فى قلوبهم، ويشحذ الهمم فى تعبئة واستنفار قوى المسلمين المادية والمعنوية من أجل الدفاع عن ديار الإسلام ومقدساته.. جرى ذلك على يد سيدى أحمد البدوى عندما واجه المصريون الصليبيين فى دمياط والمنصورة، وتكرر نفس الأمر عندما تصدت مصر للهجمة التترية الشرسة.. وكان ذلك أيضاً على يد سيدى أبو الحسن الشاذلى وسيدى المرسى أبو العباس وسيدى إبراهيم الدسوقى، وسيدى العز بن عبدالسلام.. ومعظمهم مُجدِّدون وورثة لكتاب الله وهم من يعنيهم المولى عز وجل بقوله: «ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن لله، ذلك هو الفضل الكبير، جنات عدن يدخلونها» ويدلنا قوله تعالى «ثم أورثنا الكتاب» دلالة واضحة أن هؤلاء العباد الذين أورثهم الله تعالى كتابه، فأدركوا ما به من أسرار بحكم هذه الوراثة، هم خاصة عباده المؤمنين الذين اصطفاهم المولى عز وجل بحكم كونهم أهلًا لهذا الاصطفاء بسبب مجاهدتهم فى طريق الطاعة للمولى عز وجل. ولهذا كان هؤلاء الورثة هم هداة الأمة ومرشديها على مدى القرون بعد انتقال خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، كما تتأكد أيضاً حقيقة وجودهم من قوله تعالى «قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى» حيث تدل هذه الآية على دوام وجود التبعية المحمدية التى تدعو إلى الله على بصيرة منه، وهم ورثة كتاب الله فى الأمة الإسلامية. وهناك العديد من الآيات القرآنية الأخرى التى تثبت هذه الحقيقة، إضافة إلى الأحاديث الشريفة التى تؤكد هذا الأمر.. مثل قوله صلى الله عليه وسلم «يبعث الله على رأس كل مائة سنة رجلًا من أمتى يجدد لها أمر دينها» فهذا الحديث يثبت دوام وجود المُجدِّد الذى يبعثه الله على رأس كل مائة سنة ليقوم بتجديد أمر الدين وإزالة ما شاب العقيدة من معتقدات فاسدة، ومفاهيم خاطئة، وبدع باطلة ذلك بحكم وراثته لعلم الكتاب فضلًا عن تزكية النفوس وتطهير القلوب لتكون صالحة لعبادة المولى عز وجل حق العبادة، بعد خاتم الأنبياء والمرسلين، مصداقا لقوله تعالى: «هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمه، وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين، وآخرين منهم لمّا يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم». كذلك فإن الوارث يملك القدرة على أيضاًح الآيات القرآنية بما تدركه عقول أبناء العصر الذى يعيش فيه، مؤكدًا أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان على حكم قوله تعالى: «لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون»، ولهذا يكون له دور خاص فى تجديد المفهوم الدينى واستنباط الحلول القرآنية لكل القضايا فى عصره. هكذا كان سادتنا ورثة كتاب الله الذين تشرفنا بذكر أسمائهم إبان تصدى مصر للحملات الصليبية والتترية، وكذلك كان دورهم الذى تحدثنا عنه الآيات القرآنية.. من حيث العمل على جمع الأمة الإسلامية وتوحيدها، وحماية أبنائها من الفرقة والتشتت والخلافات الفكرية التى تعصف بها وتؤدى إلى تفككها وضعفها، وذلك بحكم ما وهبهم الله من فرقان إلهى يفرقون به بين الحق والباطل، مدللين على ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة التى تقطع الطريق أمام المفاهيم الخاطئة والأباطيل المدسوسة التى تؤدى إلى الخلاف والفرقة والشقاق ليسود التضامن والإخاء بين المسلمين، ولينعموا بالوحدة والقوة كثمرة طبيعية للفكر الإسلامى الصائب المستمد من آيات القرآن والأحاديث الصحيحة المتفقة معه. هذا بالإضافة لكون ورثة كتاب الله يعملون على تجديد الفكر الإسلامى، ومحاربة الدعوة إلى الجمود العقلى الذى يشيع فى الأمة ويؤدى بها إلى التخلف كثمرة للتسليم الأعمى بلا تدبر أو تفكر لكل ما ترثه الأمة من مفاهيم دينية خاطئة وباطلة.