النظارة السحرية ..إحسان عبدالقدوس
تنوء ذاكرة الإبداع بحملها لكنها أبدا لا تضعه، فمهما زاد وكثر سيظل معقودا ممزوجا بكياناتنا وعبق ماضٍ عشناه و لا يُنسى .
واليوم تفيض علينا ذاكرة القص بقصة النظارة السحرية لإحسان عبدالقدوس:
" النظارة السحرية"
لم تكن لي مشكلة قبل أن أصل سن الثلاثين ........ كنت إنسانا عاديا ,نلت دبلوم التجارة ,وعينت في وظيفة حكومية ووصلت إلى مرتب معقول ..خمسة وعشرين جنيها في الشهر ,وكنت أقيم وحدي في شقة صغيرة بالدور الأعلى من عمارة كبيرة بميدان المحطة , وليس لي أطماع ,ولا أضايق أحدا ولا يضايقني أحد ,أو على الأصح ,لا أحس بأحد , ولا يحس بي أحد ...وكنت أفكر في الزواج !!....ا ثم حدث أن جاء زميلي في العمل ,الأستاذ عبد العظيم عبد المقصود وهوا يحمل ,في يده نظارة معظمة كبيرة ...نظارة كبيرة جدا...ليست كالنظارة التي يحملها هواة سباق الخيل ولكنها نظارة حربية مما يستعملها الظابط في الميدان ..أنها أقرب إلى سلاح حربي منها إلى مجرد نظارة ....وهى بعين واحدة, ا وتطول وتقصر ,ولها أرقام خاصة تظبط بها عدستها ولها حامل تثبتها عليه ...ا وبهرتني هذه النظارة .... ا لأدرى ما حدث ,ولكني أمسكت بها ,وأحسست أنى أستطيع أن أكون أسعد إنسان في العالم لو استطعت ،أن ملكها ...ا وبداء الأستاذ عبد العظيم عبد المقصود يشرح لي كيف تعمل هذه النظارة .ثم ثبتها أمام الشباك ,وظبط عدستها ,ونظر فيها ثم صاح : ا ء- تعالى شوف الست اللي بتطبخ دي !..... ا ووضعت عيني على النظارة وقلت للأستاذ عبد المقصود : ا ء- دى فين الست دى ؟....ا وأشار الأستاذ عبد المقصود إلى عمارة بعيدة في شارع الساحة وقال : ا ء-في العمارة اللي هناك ..........ا وازدادت دهشتي ,أننا ننظر أليها من نافذة الوزارة في ميدان لاظوغلى ...أي أن بيننا وبينها أكثر من أربع محطات ترام ,ورغم ذلك فأنني أكاد ألمسها بيدي !!...ا وعدت أضع عيني على النظارة ... أنى أرى المنديل الأخضر الذي تربط به رأسها , والجلباب الأصفر الملتصق بجسدها ,وأرى الشبشب في قدمها ا .....أن لون الشبشب أحمر ..بل أنى أستطيع أن أرى الطعام الذي تطبخه ...أنها تطبخ بامية !....ا ياهوه ....ا ورفعت عيني عن النظارة وأنفاسي مبهورة ,وقلت لعبد المقصود بصوت متهدج : ا ء-تبيعها ؟!!!.........ا والأستاذ عبد المقصود رجل صعب ,ظل يتدلل على ,وأنا أرجوه ,بل أتوسل إليه , إلى أن قبل أن يبيعني النظارة بعشرة جنيهات ,أدفعها له على قسطين ,كل قسط خمسة جنيهات !!..........ا وحملت النظارة كأني أحمل كل حياتي , وذهبت بها إلى غرفتي في أعلى العمارة الكبيرة بميدان محطة مصر ,وثبتها على سور الشرفة ,وقضيت بقية اليوم وأنا أحاول أن أظبط عدستها !!!....ا يااااه !........ا أنى أستطيع أن أرى بها حتى شارع 26 يوليو ..أنى وأنا أسكن محطة مصر ,أستطيع أن أرى ما يدور داخل حجرات المحكمة العليا وما يدور في ملهى سيروس الذي يقع فوق سينما ريفولى و.........ا وأخذت أوجه النظارة إلى داخل البيوت التي تحيط بي ,من خلال نوافذها ! ا أنى أرى في النظارة سيدة شابة وبجانبها رجل يتناول العشاء في بيتها ,لعل الرجل زوجها ...وهى تميل عليه , وتضع له الطعام في فمه , ثم تقبله ...وهو يستدير لها ثم يحتضنها بذراعيه ويبادلها القبل ثم يعود إلى تناول العشاء ....ا و...... ا ما هذا ؟؟!!!!ا فتاة تخلع ثيابها وتتبعتها إلى أن اختفت ..من الغرفة لعلها دخلت الحمام ...ثم عادت وارتدت ثوب النوم واستقلت في فراشها وأخذت تقرأ ...أن عنوان الكتاب (جبى الوحيد )..ثم أطفأت النور !.... و...... رجل عجوز ...يبدو أنه يوناني ...يتناول عشاء مكونا من زيتون و(مرتديلا ) ...وبجانبه زوجته ..عجوز مثله ...أنها لا تأكل , ولكنها تتكلم ...تتكلم كثيرا هذه المرآة !..ا وظلت عيني فوق النظارة حتى الساعة الرابعة صباحا ..ا وعندما أطفئت كل الأنوار ولم يعد هناك شيء أراه ...ا ونمت لعلني لم أنم ..أنما أغمضت عيني لأستعيد مناظر الناس الذين رأيتهم ...الناس في حياتهم الخاصة ..في أدق تفاصيل حياتهم...إن الناس في حياتهم الخاصة ...في أدق تفاصيل مخلوقات عجيبة .مثيرة غير الناس الذين تلتقي بهم في الشارع !....ا وفتحت عيني في الساعة السابعة ملهوفا ,وجريت إلى الشرفة ,والى النظارة ...وعدت أرى الناس , يتثاءبون ,ويغسلون وجوههم ..بعضهم مكشر ,وبعضهم مبتسم ....ا هل تعرف من بين مائة شخص لا تجد واحد ينزل من فراشه بنفس الطريقة التي ينزل بها الأخر
إحسان عبد القدوس