الكاتب والسيناريست محمد رفيع فى حوار مع «الوفد»: أكتب.. بين البحر والصحراء
حوار ـ نهلة النمر:
حدِثنى عن أى فيلم روائى مهما بلغ مداه فى الشهرة, أذكر لك البطل والمخرج وربما كاتب الرواية, لكن حين تسألنى عن السيناريست يمكن أن يصيب ذاكرتى العطب, على الرغم من أن هناك جملاً فى بعض السيناريوهات تظل عالقة بأذهان الجماهير ربما لعقود, بل وتصبح أحياناً تيمة, يمكن استدعاؤها كلما صادفنا لحظة تشبه تلك التى قيلت فيها, والشواهد كثيرة, ولكن الخبر السار أن كاتب السيناريو عندما يكون روائياً موهوباً يمكنه فى لحظة أن يتقدم أسماء العمل جميعاً, ويستطيع أن يخلق من قصة عادية ملحمة أبدية مثلما فعل العظيم صبرى موسى فى فيلم «البوسطجى».
الروائى والقاص وكاتب السيناريو محمد رفيع واحد من كتاب السيناريو الذين يعدون بشىء جديد, درس بأكاديمية تكنولوجيا السينما الحديثة للفنون قسم السيناريو, وله عدد من المجموعات القصصية, منها «بوح الأرصفة» و«ابن بحر» ورواية «ساحل الغواية, حاصل على جائزة مؤسسة ساويرس الأدبية عن مجموعته «أبهة الماء», كما وصلت «عسل النون» إلى القائمة القصيرة لجائزة الملتقى العربى بالكويت, واختارته مؤسسة «متحف الكلمة» فى العاصمة الإسبانية مدريد سفيرًا للكلمة فى مصر. كتب عدة سيناريوهات لأفلام قصيرة مأخوذة عن أدب نجيب محفوظ وغيره, وأخيراً سيناريو فيلم «كارما» الذى سوف يتم عرضه خلال أيام وهو من إخراج خالد يوسف.
* نبدأ من حيث وصلت; كيف كان الطريق إلى السينما? وما تفاصيل عملك الأخير?
- حكاية السينما تعود إلى طفولتى وعشقى لهذا الفن ومتابعتى للأفلام العالمية والعربية, لكن الخطوات الجدية بدأت منذ العام 2000 حين التقيت المخرج الكبير حسين حلمى المهندس قبل وفاته بسنوات, وتحدثنا عن السينما والسيناريو وتعلمت على يديه بعض المبادئ الأساسية من خلال جلسات خاصة, لاحظت فيها مقدار دأبه وحضور عقله وتركيزه, رغم كبر سنه. ونصحنى بالدراسة بشكل أكاديمى وترك لى ثلث مكتبته حين مات. فى تلك الفترة ذهبت لأكمل الدراسة على يد المخرج الكبير رأفت الميهى فى الأكاديمية التى أنشأها لدراسة السينما والتحقت بقسم السيناريو الذى كان يشرف عليه هو شخصياً. وبعد ذلك تكونت صلات قوية ومتينة بينى وبينه, وتعددت اللقاءات والحوارات حول السينما والحياة والسياسة, وظللت أتعلم منه حتى آخر وقت حين رحل عن عالمنا, وفى ذات الوقت فى 2010 أنشأت ورشة لتدريس السيناريو بوسط القاهرة, تخرج فيها كثير من عشاق السينما والكتاب ومنهم من اشتغل بالسيناريو ومنهم من اتجه للأدب أو زاوج بينهما, وفى عام 2012 التقيت المخرج القدير خالد يوسف وقد كان قرأ لى قصة فى إحدى المجموعات القصصية وطلب لقائى على الفور. بعد جلسات التعارف الأولى قررنا العمل سوياً على فيلم بعنوان «الخطاب» ثم تركناه لفيلم بعنوان «ولا فى الأحلام», ثم أتت مرحلة دخل خالد يوسف البرلمان وترك السينما قليلاً, وإن ظل على علاقة وثيقة بالوسط. وظللت ألتقيه ونتحدث وهو منشغل بالسياسة, لكنه يتحين الفرصة للعودة للسينما وعندما عاد إلى الإخراج أعدنا كتابة فيلم «ولا فى الأحلام» ليتغير اسمه ويأخذ شكله النهائى باسم «كارما». فى خلال هذه الرحلة ألفت العديد من السيناريوهات القصيرة وأشرفت على كتابة سيناريوهات كثيرة وصورت فيلماً روائياً قصيراً وفيلماً تسجيلياً.
● أنت خضت تجربة السيناريو من قبل أكثر من مرة, فهل تعتقد أن الأضواء غالباً ما تظلم السيناريست?
- الأضواء فى مصر لا تتجه إلى السيناريست إلا عندما يلمع اسمه, ولكن حتى فى هذه الأثناء لا يتم التركيز على عمله بشكل يجعل الناس تدرك مدى أهميته, وهذا دليل انحدار وليس علواً, فلننظر للسينما العالمية أو لنتذكر ماضى السينما المصرية, سنجد علاقة طردية بين الاهتمام بدور السيناريست وتقدم الصناعة, السيناريست هو أول من يبدأ بالعمل ويخطط مسار الفيلم أو المسلسل على الورق, لكن الجمهور لا يدرى ماهية عمله تحديداً, نسمع كثيراً أننا نعانى من مشكلة ورق -أى سيناريو مكتوب جيداً- فى حين أن المشكلة هى إيجاد هذا الورق, فالكتاب موجودون وموهوبون وما إن تتاح لهم الفرصة حتى يلمعوا ويحققوا إنجازات كبيرة, لو تم الالتفات لهم.
● ألا تخشى أن تأخذك السينما من الكتابة? وأيهما أكثر متعة بالنسبة لمحمد رفيع?
- لا أخشى من هذا أبداً فأنا مسكون بالأدب, وهو مشروعى الأساسى الذى بدأته منذ خمسة وعشرين عاماً, والسيناريو حرفة توفر الوصول لشريحة أكبر من المتلقين. وفى نفس الوقت عندنا كتاب عظام, مثل نجيب محفوظ وجارسيا ماركيز وباترك زوسكند مارسوا الأدب والكتابة للسينما دون أن يطغى أى نشاط إبداعى على الآخر, وأنا أتمنى أن أحذو حذو هؤلاء.
● هل ترى أن مدينة الغردقة تعتبر مجتمعاً فردياً مختلفاً عن مجتمع البحر الأحمر ككل? على اعتبار أن أغلب المقيمين فيها وافدون?
- نشأت فى الغردقة وأعرف أنها عبارة عن مدينتين متداخلتين: المدينة السياحية الظاهرة والمدينة القديمة المؤسسة, وليست المدينة السياحية بنيت على أنقاض المدينة الأصلية بل هما متداخلتان كالقلب والعقل فى جسد واحد, خلف الشوارع الرئيسية باهرة الإضاءة شوارع ترابية يسكنها الصيادون حراس المدينة القديمة وحين تقترب منهم أكثر تجدهم نوعين, الأول اشتغل بالسياحة وتعلم اللغات الأجنبية, والثانى بقى على الصيد مهنة آبائه وأجداده لكن فى الليل يعود الاثنان إلى المدينة الأولى ويصيران نسيجاً واحداً, هم أصحاب الجلسات الغنائية والمباراة فى الشعر البدوى والعادات الصارمة وجلسات العرب والحكم العرفى النافذ كالقانون, الغردقة بها آلاف السيد أحمد عبدالجواد, هذا الذى شاهدناه فى ثلاثية نجيب محفوظ لكن بنكهة خاصة تختلف عن نكهة القاهرة فى العشرينات, السيد من الغردقة يلهو فى الصباح مع السائحات «بالشورت» زاهى الألوان واللكنة الروسية, وحين يعود يخلع رداء السياحة على أبواب المدينة القديمة, ويدخل ليرتدى كل الموروثات من جديد, يرتدى اسمه القديم «سالم وسالما ومسلم», وكلها أسماء صيادين اشتقوها من السلامة التى يرجونها فى رحلاتهم للصيد, الفارق بين أحمد عبدالجواد المحفوظى والذى يقطن الغردقة أن الذى فى الغردقة يلهو صباحاً لأنه عمله وامرأته فى البيت تعلم أنه يلهو, وتقضى يومها وهى تشحذ أسلحتها لتمسح من ذاكرته بنات الأرض الأخريات, الست أمينة الغردقانية فى تحدٍ يومى مع الشعر الأصفر والقد الأبنوسى. إنه لشىء ملهم حقيقى أن تعيش محاطاً بكثير من هؤلاء, وبالذين هجروا السياحة كلياً وظلوا على حالهم يصطادون بالفلايك البدائية ويحافظون على نسيج مجتمعهم بلا أى مغامرات غير التى يلقيها البحر إليهم كل يوم فى رحلات الصيد.
● أنت قلت من قبل إنك فى يوم ما يمكن أن تكتب ثلاثية أو خماسية عن مدينة الغردقة التى بدأتها فى روايتك «ساحل الغواية» متى يمكن أن تكمل هذا المشروع? وما أهم ما تود أن تقوله فيه?
لعل روايتى الثانية «غردقة المرايا» ستكون تكملة لهذا المشروع, وأنا قيد الانتهاء منها الآن, ولا أهدف فيها لسرد تاريخ المنطقة فهى ليست رواية تاريخية وإن استندت على بعض الأحداث
● إلى أى حد يعتبر أدب الحدود أدباً, خاصة من وجهة نظر محمد رفيع?
- التماهى والتمازج بين الثقافات يحدث فى الحدود البعيدة, فتتكون أنماط من البشر غير الذين يقطنون المدن, هناك انفتاح على الآخر ورغبة فى الترحال والاكتشاف, هناك صراعات وتحريب, نجاة ولجوء وهجرات, حياة برية; حيوانات وطيور تعبر الحدود هنا وهناك وكأنها تسخر من البشر الذين قسموا أرض الله وحددوها بالأسلحة والقتل, فمن الذى يمنع غزالاً من عبور الحدود, من الذى يعطى الطيور جنسية ما, أكاد أسقط ضاحكاً من فكرة الفيزا التى تمنح الحق او تمنعه من زيارة أرض جديدة, فى حين أن أصغر قارض وسمكة وطائر يعبرون بلا قيود, هم أحرار ونحن مسجونون, هم يمتلكون جنسية العالم بأثره ونحن مقيدون ببلد النشأة والجنسية والعلاقات بين الدول والملوك, والحروب ومباريات الكرة, تتناوشنى تلك الأفكار حين أتحدث عن الحدود وأرى كم هى ملهمة, لها شخصيتها المتواشجة مع ثقافات عدة وأرى أنها تعلم المراكز ما لا تعلم.
● البحر والصحراء يعتبران معادلين موضوعيين فى كتابات كثيرين, لكن يظل تناول محمد رفيع لهما مختلفاً, فى رأيك ما الذى يصل بالكاتب حد الاختلاف?
- قرأت كثيراً من أدب البحر وشعرت بأن الذين يكتبون عنه يكتبون من على الشاطئ, نادراً ما أجد عملاً يرمى بى وسط الأمواج, يكتبون عن التجربة من خبرات قرائية وليس عن خبرة حياتية ومعايشة, أما الصحراء فلم يشعرنى بها إلا إبراهيم الكونى, فلم أجد كتابات كثيرة تقبض على الفرسين معاً, فقررت أن أخوض تلك المساحة بما لدىّ من خبرات حياتية وقرائية حول الحياة على التخوم بين ثقافة البحر بمغامراته وأساطيره وبين ثقافة البادية, بين اللونين الأزرق والأصفر, فقد قضيت جزءاً كبيراً من عمرى فى البحر, أجوبه شمالاً وجنوباً وأبيت فيه, أخرج مع الصيادين ولا غذاء لنا إلا ما نصطاد.
● الأب فى حياة محمد رفيع أتصور أنه كان نقطة تحول, فإلى أى حد?
أنا مدين لأبى بكل شىء تقريباً, فوالدى رحمه الله كان رجلاً من طراز فريد, مربى ومفكر ومنظر, وحين استعرض سيرته أجده شخصاً عظيماً, فقد سافر إلى اليمن فى شبابه وساعد هناك للإيقاع بشبكة تجسس إسرائيلية كانت لتنال من جهود مصر فى اليمن وتهدد مضيق باب المندب, وحين عاد إلى مصر كون مجموعة للبحث عن المعادن فى جبال البحر الأحمر, لتكون صناعة أخرى غير البترول تفتح آفاقاً جديدة, لكن الأمر كان يحتاج لأموال طائلة, وأدخل الحاسب الآلى للمدارس فى رأس غارب قبل خطة الوزارة بالجهود الذاتية, واكتشف مدينة تسمى «وادى دارة» قابلة للزراعة على المياه الجوفية, ولذك سميت إحدى مدارس رأس غارب باسمه, وأنا مدين بوعيى الفكرى وحسى النقدى له, ولذلك أهديته كل عمل أدبى وسينمائى ظهر لى حتى الآن وكل الجوائز عرفانا لهذا الرجل الذى ما زال أبى وصديقى, آنس إليه حتى الآن بعد موته بأحد عشر عاماً.
● هل ما زال لديك الحماس لإكمال مشروعه التنويرى فى رأس غارب?
- الحقيقة أننى أفعل ذلك من وقت لآخر فقد قدمت عدة ندوات هناك مع بعض الضيوف مثل جمعة الشوان ومحمد المصرى صائد الدبابات, وحاولت إقامة نادى سينما, غير أن هذه المحاولات ما زالت مرتبطة بإمكانية السفر والإقامة مع الضيوف هناك ومرتبطة أيضا بوجود كوادر هناك تسهل العمل الثقافى, والحقيقة أن هناك شباباً متحمساً, لكن عدم وجود قصر ثقافة ودعم من وزارة الثقافة يجعل الجهود فردية, كما أننى لاحظت تغيراً كبيراً فى المجتمع, ثمة انحدار ثقافى مخيف لصالح بعض الأيديولوجيات, يكفى أن أقول إن دور السينما اختفت منذ 25 سنة هناك, كما أن المكتبات العامة أغلقت, لمدة طويلة حتى ظهرت واحدة تابعة لوزارة الثقافة محدودة الإمكانيات. لكنى لا أمل من المحاولة ومن الاتصال بالشباب هناك لإعادة بريق المدينة التى استقبلت عبدالرحمن الأبنودى ويوسف شاهين وغيرهم من نجوم الفن والثقافة.